فخر الدين الرازي

196

القضاء والقدر

المسألة . فلو أثبتناها بقول النبي ، لزمه الدّور وإنه محال . ثم نقول : الإشكال الذي ذكرتم إنما يلزم لو حكم اللّه بأفعال العباد حكما مطلقا . وهذا ممنوع . بل . عندنا : أنه تعالى يحكم بها مشروطا ، فيقول : إن صدرت الطاعة عن « زيد » دخل الجنة ، وإن صدرت المعصية عنه دخل النار . وإذا كان هذا الحكم مشروطا ، لم يلزم من تغير فعل العبد : تغير علم اللّه ، وتغير حكمه . حكى الخطيب في تاريخ بغداد : أن رجلا قال لعمرو بن عبيد : أخبرني عن « تبّت » هل كانت في اللوح المحفوظ ؟ فقال عمرو : ليس هكذا كانت . بل كانت : « تبت يدا من عمل ، بمثل عمل أبي لهب » . فقال له الرجل : فهكذا ينبغي أن تقرأ ، إذا قمنا إلى الصلاة . فغضب عمرو . وقال له : اعلم أن اللّه ليس بشيطان ، إن علم اللّه لا يضر ولا ينفع . والجواب : أما أن خبر الواحد يقبل في هذه المسألة أم لا ؟ فقد تقدم القول فيه . ثم نقول : هذا خبر واحد ، تأكد مدلوله بالعقل . وذلك لأنا نرى أن الإنسان قد يكون مواظبا على الكفر والفسق ، وأعمال أهل النار ، ثم إنه ينقلب مؤمنا برّا تقيا ، وقد نرى الأمر على العكس منه . فانقلابه من الحالة المتقدمة إلى الحالة الأخرى المضادة لها . لا شك أنه من الجائزات الممكنات . فإن وقع ذلك الممكن ، لا لمرجح ، لزم نفي الصانع ، وإن كان لمرجح . فذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال فيه ، وإن كان من اللّه ، فقد حصل المطلوب . فثبت : أن هذا البرهان العقلي القاهر يدل على أن المواظب على أعمال أهل النار ، إنما ينقلب مؤمنا لأن القضاء الإلهي ، وجب قلبه من إحدى الحالتين إلى الأخرى . وهذا هو المراد من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة » والمراد من الكتاب : إلقاء داعية ذلك الفعل في قلبه . لأن قلب العبد يجري مجرى اللوح . وإلقاء تلك الدواعي المختلفة فيه ، يجري مجرى إلقاء الرقوم المختلفة ، والنقوش المتباينة في قلب العبد . قوله : « إن مراتب النطفة والعلقة والمضغة المذكورة في النص ، غير موافقة للمحسوس ، فكان الخبر غلطا » قلنا : إطلاق اسم الكل على الأغلب : مجاز مشهور . قوله : « لو كان الأمر كذلك ، لزم كون الكفار معذورين » قلنا : قد ذكرنا أن المناظرة مع اللّه لا تجوز . ثم نقول : هذا خبر واحد تأكد مدلوله بالعقل . وذلك لأنا نرى أن الإنسان قد يكون مواظبا على الكفر والفسق ، وعلى أعمال أهل النار ، ثم ينقلب مؤمنا برا تقيا . وقد نرى الأمر على العكس من ذلك . فانقلابه من الحالة المتقدمة ، إلى الحالة المتأخرة ، لا بد وأن يكون لمرجح . إذ لو جاز حصول الرجحان ، لا لمرجح ، فلنجوز ذلك في كل الممكنات . ثم ذلك المرجح إن كان من العبد ، عاد الطلب . وإن كان من اللّه ، فقد حصل المطلوب .